الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
123
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمراد بالخروج في قوله : إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ الخروج من مكة مهاجرة إلى المدينة . فالخطاب خاص بالمهاجرين على طريقة تخصيص العموم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ روعي في هذا التخصيص قرينة سبب نزول الآية على حادث حاطب بن أبي بلتعة . و جِهاداً ، و ابْتِغاءَ مَرْضاتِي مصدران منصوبان على المفعول لأجله . تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ . يجوز أن تكون الجملة بيانا لجملة تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، أو بدل اشتمال منها فإن الإسرار إليهم بالمودة مما اشتمل عليه الإلقاء إليهم بالمودة . والخبر مستعمل في التوبيخ والتعجيب ، فالتوبيخ مستفاد من إيقاع الخبر عقب النهي المتقدم ، والتعجيب مستفاد من تعقيبه بجملة وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ ، أي كيف تظنون أن إسراركم إليهم يخفى علينا ولا نطلع عليه رسولنا . والإسرار : التحدث والإخبار سرا . ومفعول تُسِرُّونَ يجوز أن يكون محذوفا يدل عليه السياق ، أي تخبرونهم أحوال المسلمين سرا . وجيء بصيغة المضارع لتصوير حالة الإسرار إليه تفظيعا لها . والباء في بِالْمَوَدَّةِ للسببية ، أي تخبرونهم سرا بسبب المودة أي بسبب طلب المودة لهم كما هو في قضية كتاب حاطب . ويجوز أن يكون بِالْمَوَدَّةِ في محل المفعول لفعل تُسِرُّونَ والباء زائدة لتأكيد المفعولية كالباء في قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] . وجملة وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ في موضع الحال من ضمير تُسِرُّونَ أو معترضة ، والواو اعتراضية . وهذا مناط التعجيب من فعل المعرّض به وهو حاطب بن أبي بلتعة . وتقديم الإخفاء لأنه المناسب لقوله : وَأَنَا أَعْلَمُ . ولموافقته للقصة . و أَعْلَمُ اسم تفضيل والمفضل عليه معلوم من قوله : تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ فالتقدير : أعلم منهم ومنكم بما أخفيتم وما أعلنتم .